محمد بن جرير الطبري
162
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيها الدماء . فقال الله لهم إذ علم آدم الأَسماء كلها : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم تعلمون أن جميع بني آدم يفسدون في الأَرض ويسفكون الدماء على ما ظننتم في أنفسكم ، إنكارا منه جل ثناؤه لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم ، وهو من صفة خاص ذرية الخليفة منهم . وهذا الذي ذكرناه هو صفة منا لتأويل الخبر لا القول الذي نختاره في تأويل الآية . ومما يدل على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرية الخليفة وسفكها الدماء على العموم ، ما : حدثنا به أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط ، قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ قال : يعنون الناس . وقال آخرون في ذلك بما : حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأَرض ؛ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل ، وقوم صالحون ، وساكنو الجنة . قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا فابتلوا بخلق آدم ، وكل خلق مبتلى ، كما ابتليت السماوات والأَرض بالطاعة فقال الله : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ على غير يقين علم تقدم منها بأن ذلك كائن ؛ ولكن على الرأي منها والظن ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من قيلها ورد عليها ما رأت بقوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأَنبياء والرسل والمجتهد في طاعة الله . وقد روي عن قتادة خلاف هذا التأويل ، وهو ما : حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها قال : كان الله أعلمهم إذا كان في الأَرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك قوله : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وبمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل ، منهم الحسن البصري . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن ، وقتادة قالا : قال الله لملائكته : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قال لهم إني فاعل . فعرضوا برأيهم ، فعلمهم علما وطوى عنهم علما علمه لا يعلمونه . فقالوا بالعلم الذي علمهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وقد كانت الملائكة علمت من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فلما أخذ في خلق آدم ، همست الملائكة فيما بينها ، فقالوا : ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق ، فلن يخلق خلقا إلا كنا أعلم منه ، وأكرم عليه منه . فلما خلقه ونفخ فيه من روحه ، أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا ، ففضله عليهم ، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه ، فقالوا : إن لم نكن خيرا منه فنحن أعلم منه ، لأَنا كنا